الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
95
مناهل العرفان في علوم القرآن
حكمة وأكبر الظن أنهم لم يفطنوا إلى هذا ، ولو فطنوا له ما اشتبهوا ولو اشتبهوا بعد فطنتهم له لاخترنا الشق الثاني من هذا الترديد ، ثم أيدناه بتوافر أدلة العقل والنقل عليه كما قررنا . الشبهة الثانية ودفعها : يقولون : لو جاز على اللّه تعالى أن ينسخ حكما بحكم ، للزم على ذلك أحد باطلين : جهله جل وعلا ، وتحصيل الحاصل . وبيان ذلك أن اللّه تعالى إما أن يكون قد علم الحكم الأول المنسوخ على أنه مؤبد ، وإما أن يكون قد علمه على أنه مؤقت . فإن كان قد علمه على أنه مستمر إلى الأبد ثم نسخه وصيره غير مستمر ، انقلب علمه جهلا والجهل عليه تعالى محال . وإن كان قد علمه على أنه مؤقت بوقت معين ثم نسخه عند ذلك الوقت ، ورد عليه أن المؤقت ينتهى بمجرد انتهاء وقته ، فإنهاؤه بالنسخ تحصيل للحاصل ، وهو باطل . وندفع هذه الشبهة : بأن اللّه تعالى قد سبق في علمه أن الحكم المنسوخ مؤقت لا مؤبد ، ولكنه علم بجانب ذلك أن تأقيته إنما هو بورود الناسخ لا بشيء آخر كالتقييد بغاية في دليل الحكم الأول ، وإذن فعلمه بانتهائه بالناسخ لا يمنع النسخ بل يوجبه ، وورود الناسخ محقق لما في علمه لا مخالف له . شأنه تعالى في الأسباب ومسبباتها ، وقد تعلق علمه بها كلها . ولا تنس ما قررناه ثمة من أن النسخ بيان بالنسبة إلى اللّه ، رفع بالنسبة إلينا . الشبهة الثالثة ودفعها : يقولون : لو جاز النسخ للزم أحد باطلين : تحصيل الحاصل ، وما هو في معناه . وبيان ذلك أن الحكم المنسوخ إما أن يكون دليله قد غياه بغاية ينتهى عندها ، أو يكون قد أبده نصا : فإن كان قد غياه بغاية فإنه ينتهى بمجرد وجود هذه الغاية ، وإذن لا سبيل إلى إنهائه بالنسخ ، وإلا لزم تحصيل الحاصل . وإن كان دليل الحكم الأول قد نص على تأبيده ثم جاء الناسخ على رغم هذا التأبيد ، لزم المحال من وجوه ثلاثة :